ذاكرة الترجمة ما هي وما أهميتها وآلية عملها

ذاكرة الترجمة

هل مرَّ أمامك مصطلح ذاكرة الترجمة من قبل؟ وهل تُدرك معناه؟ عادةً لا يعرف هذا المصطلح سوى المترجمين، ومكاتب الترجمة المعتمدة، نظرًا لأهميتها ودورها الكبير في مجال عملهم.

حيث تمتلك ذاكرة الترجمة لدور هام يسهم في تيسير عملية الترجمة والمساعدة في الحصول على ترجمة احترافية في وقت قصر؛ لذا دعنا نتعرف سويًا على ما هي ذاكرة الترجمة وما دورها.

تعريف ذاكرة الترجمة

ذاكرة الترجمة عبارة عن قاعدة ضخمة من البيانات، حيثُ تضم هذه البيانات الكثير من الكلمات، والعبارات في لغة المصدر وفي المقابل ترجمتها باللغة المُستهدفة أو المطلوبة، وذلك في شكل أزواجٍ لغوية أو كما تُعرف بوحدات الترجمة.

الجدير ذكره أنَّ ذاكرة الترجمة تسهّل على المترجمين ترجمة المستندات، خاصةً من يعمل منهم مع برمجيات وأدوات ذاكرة الترجمة، فلن يضطر المترجم أبدًا إلى العمل من جديد في ترجمة كل مشروع، لأنَّ ذاكرة الترجمة ستساعده في الاعتماد على أعماله السابقة.

إذ يتم إضافة الكلمات الجديدة التي تمَّ ترجمتها إلى الذاكرة، بالتّالي تتكوّن قاعدة من البيانات تزداد تدريجيًا لتضم مجموعة ضخمة من الكلمات والعبارات المُترجمة.

كيف تعمل ذاكرة الترجمة؟

كيف تعمل ذاكرة الترجمة

تعمل ذاكرة الترجمة بشكلٍ بسيط وغير مُعقّد، فبمجرّد فتح المستندات المطلوب ترجمتها من خلال أي نوع من البرمجيات منها "CAT tools".

ستقوم هذه الأدوات بالبحث في ذاكرة الترجمة عن كلمات وعبارات النص المكتوب، مع المقارنة بينها وبين البيانات التي تحملها الذاكرة.

وعند وجود أي تطابق بين الجمل أو العبارات الموجودة في النص، وبين العبارات الموجودة في ذاكرة الترجمة، أي المُترجمة من قبل، تخبرك الأدوات بهذا الأمر، وأنَّ هناك تطابق 100%.

أيضًا إذا كانت الجمل أو العبارات متشابهة لكنها غير متطابقة تمامًا، تخبرك تلك الأدوات بأنَّ نسبة التطابق غير دقيقة أو بها بعض الغموض.

أهمية ذاكرة الترجمة

تقوم ذاكرة الترجمة بدورٍ أساسيٍ وهام في تسهيل عملية ترجمة المشاريع، والمستندات بدقة عالية وجودةٍ مُتقنة، وتتمثّل أهمية ذاكرة الترجمة فيما يلي:

التعامل مع أنواع الملفات المعقدة

تُسهّل ذاكرة الترجمة على المترجم طريقة التعامل مع كافة أنواع الملفات المختلفة، خاصةً المُعقد والصعب منها، إذ لا يمتلك الكثير من المترجمين المهارة والخبرة اللغوية والفنية الكافية، لترجمة بعض الرموز التقنيَّة الخاصة بمواقع الويب وغيرها مثل تطبيقات الهواتف المحمولة.

مثلًا عندما يتطلّب الأمر ترجمة نصوص XML، يكون الأمر بالغ التعقيد، ولا يتمكن جميع المترجمين من ترجمة تلك النصوص، ولكن تعمل ذاكرة الترجمة على تسهيل تلك العملية.

توزيع العمل

تساهم ذاكرة الترجمة في إنهاء الكثير من العمل بشكلٍ سريع، ودقيق أيضًا، فعند الحاجة لترجمة المستندات كبيرة الحجم يحتاج مزودو خدمات الترجمة لتوزيع العمل على عدد من المترجمين.

وفي هذه الحالة تعمل أدوات ذاكرة الترجمة، وبالتحديد الأدوات المُسندة إلى خوادم إلكترونيَّة عبر الإنترنت على مساعدة عدّة مترجمين والتعاون بينهم في نفس الوقت.

حماية ملفات الترجمة من التلف

لا تقوم ذاكرة الترجمة على تبسيط، وتسهيل ترجمة المحتوى فحسب، بل تحافظ أيضًا على الملفات المترجمة من أي تلف محتمل، أو أي حادث غير متوقّع.

فبمجرّد الانتهاء من ترجمة الملفات يتم حفظها في قاعدة بيانات الخوادم؛ بالتّالي فإنَّ نسبة فقدان الملفات المترجمة تكون ضعيفة للغاية.

فعند تعرض الملفات للتلف بعد ترجمتها، تقوم برمجيات ذاكرة الترجمة بإعادة ترجمتها بواسطة قاعدة البيانات التي تم تخزينها في الذاكرة، مما يسهل عملية إعادة الترجمة من جديد.

تنظيم المشاريع المعقدة

ما هي ذاكرة الترجمة

من ناحية التنظيم فإنَّ ذاكرة الترجمة وما تمتلكه من أدوات، توفّر بيئة عمل منظمة للغاية خاصةً مع المشاريع المعقدة والتي تحمل آلاف الملفات.

حيثُ تقوم بتصفية الملفات، وتجمع المتشابه معًا، بالإضافة إلى تجميع المحتوى والنصوص مع بعضها لتوزيعها على المترجمين المتخصصين في ترجمة هذا النّوع من المحتوى.

ما هي فوائد استخدام ذاكرة الترجمة؟

فضلاً عن ما قمنا بذكره من أهمية لذاكرة الترجمة، فهناك أيضًا فوائد إضافيَّة لاستخدام ذاكرة الترجمة، التي يعتمد عليها غالبية المترجمون، ومن أهم فوائدها ما يلي:

تسريع عملية الترجمة

بالاعتماد على ذاكرة الترجمة في ترجمة الملفات، تكون عملية الترجمة أسهل وأسرع نظرًا لقاعدة البيانات التي تمتلكها، والتي تقدم بواسطتها جملًا، وعبارات متطابقة تمامًا مع النص المطلوب ترجمته.

ومع ذلك تكون هناك بعض الاختلافات الطفيفة، منها الأرقام، وعلامات الترقيم وشكل التنسيق، إذ يمكنك تعديل هذه الاختلافات البسيطة، بالتّالي ستجد أنّك وفرت الكثير من الوقت والمجهود. 

تقليل تكاليف الترجمة

تظهر فوائد ذاكرة الترجمة بالأخص عند ترجمة النصوص المكررة في الكلمات، والجمل، فمثلًا تتشابه الجمل في محتوى المواقع الإلكترونيّة والألعاب، وشرح المنتجات وخلاف ذلك.

وفي هذه الحالة يتطلّب من المترجم أن يضع مصطلحاتٍ متشابهة تمامًا، وموحّدة في جميع أجزاء المحتوى، لذا تساعد ذاكرة الترجمة على وضع نفس المصطلحات، مما يعني قليل من الوقت، والتكاليف، والمجهود.

الحفاظ على الاتساق بين مشاريع الترجمة

تعمل أنظمة ذاكرة الترجمة على الاتساق والتماسك بين المشاريع المختلفة المطلوب ترجمتها، باختلاف المجالات، وذلك عن طريق تخزينها للعبارات، والكلمات المترجمة بشكل صحيح.

بالتالي عند استخدام نفس الكلمات ستضمن كمترجم صحة الكلمات المخزنة، واستخدامها بشكل متسق في أي مشروع من المشاريع.

تسهيل عملية الترجمة الجماعية

تصبح أهمية ذاكرة الترجمة وفوائدها أكثر وضوحًا في ترجمة المشاريع الكبيرة، التي يعمل على ترجمتها أكثر من مترجم واحد، إذ يشترك مجموعة مترجمين في ترجمة نفس النص في وقتٍ واحد.

وفي هذه الحالة يجب على المترجمين توحيد المصطلحات المستخدمة، والمكررة في النص ولكن باختلاف المواضع، وهي وظيفة ذاكرة الترجمة، حيث تكون الترجمة في النهاية عالية الجودة، وخالية من التناقضات.

كيف تختلف ذاكرة الترجمة عن الترجمة الآلية؟

يتشتت البعض بين ذاكرة الترجمة والترجمة الآلية ويتم الخلط بينهم، ولكن هناك مجموعة فروع واضحة بين كلاهما، وإليك أهم الفروق:

الذاكرة الآلية

في حالة الترجمة الآلية نجد أنَّ الجهاز هو من يقوم بالترجمة نيابةً عنك، وكل ما عليك هو كتابة النص المطلوب ترجمته.

أيضًا في الترجمة الآلية تختلف النصوص المترجمة من ناحية الجودة، وفي بعض الأحيان تكون هذه الترجمة غير فعالة وغير مفيدة.

ولكن الجيد في فكرة الترجمة الآلية أنَّها تُنجز ترجمة الكثير من الملفات، والمستندات حتى وإن كانت ضخمة الحجم، إلى جانب تقليل التكاليف، ومع ذلك فهي بحاجة لمراجعة بشريّة بعد الانتهاء من ترجمتها آليًا. 

ذاكرة الترجمة

كيف تختلف ذاكرة الترجمة عن الترجمة الآلية

ذاكرة الترجمة تعتمد على تكوين قاعدة ضخمة من الكلمات والجمل، والعبارات وذلك بواسطة المترجمين، دون أي تدخل آلي.

ومع وجود تلك القاعدة الضخمة من الكلمات، يستعين المترجم بها عند ترجمة نفس العبارات أو النصوص، فتكون المصطلحات موجودة من قبل بالفعل، ومحفوظة.

ومع زيادة المشاريع التي يتم ترجمتها تصبح قاعدة البيانات أكبر حجمًا، مما يجعل عملية الترجمة أسهل وأسرع بالنسبة للمترجم.

كيف تختلف ذاكرة الترجمة (TM) عن قاعدة المصطلحات (TB)؟

من المصطلحات الشائعة في مجال الترجمة عمومًا هو مصطلح "قاعدة المصطلحات" واختصاره (TB) ولعلّه مصطلح مختلف تمامًا عن مصطلح ذاكرة الترجمة، ونوضح فيما يلي الاختلاف بينهما:

قاعدة المصطلحات

قاعدة المصطلحات عبارة عن مجموعة من الكلمات والجمل المتعلقة بمجالٍ معين، أو صناعة أو شركة محددة، وقد تشمل المصطلحات بعض التعريفات، والترجمة المقابلة لها في لغات مختلفة؛ لمزيد من الدقة في الترجمة، ويتم ذلك عن طريق وجود مرجع واحد للمترجم لاستخدامه وقت الحاجة.

ذاكرة الترجمة

بينما ذاكرة الترجمة تعمل على حفظ المحتوى وما يحمله من عبارات، وكلمات في شكل أزواج لغويّة، وذلك ضمن قاعدة بيانات ضخمة، ليتم استخدام تلك الكلمات مستقبلًا، إذا كان النص المطلوب ترجمته يحمل نفس الكلمات الموجودة في ذاكرة الترجمة.

وعند وجود نفس العبارة أو عبارة قريبة منها في النص، ستقوم ذاكرة الترجمة باقتراح العبارات المترجمة مسبقًا، مما يوفر على المترجمين مزيدًا من الوقت والمجهود.

والهدف من قاعدة المصطلحات وذاكرة الترجمة، أنَّ قاعدة المصطلحات أداة مرجعية تضمن تشابه واتساق المصطلحات في الترجمة باختلاف المجالات، أما ذاكرة الترجمة فتهدف لإعادة استخدام الكلمات والنصوص المترجمة سابقًا في الترجمات الجديدة.

لذا لا يوجد تعارض بين كلا المصطلحين، بل لكلٍ منهما فوائده ويعتمد عليهما المترجمين في ترجمة المشاريع بدقة عالية، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة، وتوفير الوقت والجهد.

ما هو تاريخ ومستقبل ذاكرة الترجمة؟

ظهرت فكرة ذاكرة الترجمة في فترة السبعينيات، وتم تطويرها بمجرّد دخول فترة الثمانينيات، ومع ذلك شهدت ذاكرة الترجمة انطلاقة حقيقية في فترة التسعينيات.

حيث وجود “Translator’s Workbench” لنظام ويندوز، إذ كان المحرك الأول للترجمة، ولكن هذا التطوّر لم يتحقق إلا عند تطور الترجمة الآلية، حيث تم الاعتماد على أجهزة الكمبيوتر المصحوبة بنظام ويندوز؛ بالتالي لجأ المترجمون إلى الاعتماد على التطورات التكنولوجيَّة. 

وخلال وقتنا الحالي أصبحت ذاكرة الترجمة جزءًا أساسيًا من الترجمة بواسطة الكمبيوتر، إذ يصعب الانتهاء من عمليات الترجمة دون الرجوع إليها.

وعن المستقبل فيرىَ بعض المطورون أنّ ذاكرة الترجمة ستشهد تطورات عديدة، يستفيد منها المترجمين بشكلٍ كبير، خاصةً مع تنامي برامج الذكاء الاصطناعي.

كما يتوقع البعض أنّ برامج الذكاء الاصطناعي ستساعد في تعزيز بعض الاقتراحات المتعلقة بالترجمة، اعتمادًا على مزيج من ذاكرة الترجمة وقواعد المصطلحات، وكذلك الترجمة الآلية. 

كيف يمكن إنشاء ذاكرة ترجمة ذات جودة عالية؟

كيف يمكن إنشاء ذاكرة ترجمة ذات جودة عالية

بعد معرفة أهمية وفوائد ذاكرة الترجمة، سنعرض لك بعض النصائح حول كيفية إنشاء ذاكرة ترجمة ذات جودة عالية، لأقصى استفادة خلال ترجمة المشاريع:

بذل مجهود إضافي لزيادة جودة النصوص التي تترجمها

ليتكون لديك قاعدة بيانات ضخمة، تحمل الكثير من الكلمات والعبارات المترجمة، عليك الاهتمام بترجمة النصوص بطريقة صحيحة، وبجودةٍ عالية.

لذا عليك بذل المزيد من الجهود لتصبح ذاكرة الترجمة لديك مرجع قوي للغاية، ودقيق أيضًا، فمع بذل هذا الكمّ من المجهود ستوفر على نفسك مستقبلًا الوقت، والمال، والمجهود.

إنشاء قواعد المصطلحات

عليك أيضًا الاهتمام بإنشاء قاعدة مصطلحات، لتتضمّن المصطلحات عدة مجالات مختلفة، مع التركيز على المجالات التي تعمل عليها بشكلٍ متكرر.

لذا عليك البحث حول ترجمة العبارات باللغات التي تتقنها، وتجيد العمل بها؛ حيث يساعدك هذا الأمر في توحيد مصطلحاتك في الترجمة.

التواصل مع المترجمين الآخرين

من المهم التواصل مع المترجمين الآخرين، وتحديدًا من يعملون معك في نفس المكان، للاستفادة منهم حول آخر تحديثات المصطلحات المتعلقة بمجالك في الترجمة؛ حيثُ يساعدك الأمر في تعزيز وتحسين جودة ذاكرة الترجمة لديك.

التحقق من الجودة

لإنشاء ذاكرة ترجمة قوية، وعلى قدرٍ عالٍ من الجودة عليك تقييم جودة الترجمة التي تقوم بإضافتها إلى ذاكرة الترجمة باستمرار، حتى تتأكد من أنَّ ذاكرة الترجمة لديك ذات جودة ودقة عالية.

اكتشاف الأخطاء وتصحيحها

عليك اكتشاف الأخطاء في الترجمات التي تم إضافتها لذاكرة الترجمة الخاصة بك، من ثمّ تصحيحها، بالإضافة إلى متابعة المصطلحات الجديدة والحديثة التي تظهر في مجالك، حيثُ يساعدك هذا الأمر في تعزيز وتحسين مستواك.

استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)

استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) في الترجمة

نتيجة للتطورات التكنولوجيَّة المستمرة، فقد يصعب البعد عن استخدامها، إذ يمكن أن تساعدك مثل هذه التطورات في مجال عملك.

مثلًا يمكن أن تساعدك تقنية الذكاء الاصطناعي في تحسين الاقتراحات المطروحة عليك من قِبل ذاكرة الترجمة، بالتالي تضمن لك ترجمة أعلى جودة وأكثر دقة.

التعلم والتدريب المستمر

بإمكانك تقديم دورات تدريبية للمترجمين في شركتك، لتتناول تلك الدورات كيفية تطبيق ذاكرة الترجمة واستخدامها بشكلٍ فعّال، فضلًا عن كيفية تحسينها.

فعن طريق هذه الدورات تضمن مستوى أفضل من الجودة في مجال الترجمة، بالإضافة إلى زيادة الانتاجية، وتقليل التكلفة وغيرها من الفوائد.

التوسع إلى مجالات جديدة

عند العمل بمجالات مختلفة من مجالات الترجمة سيتكون لديك حصيلة لغوية كبيرة، بالتالي سيكون لديك ذاكرة ترجمة مزودة بالكثير من العبارات، والكلمات، والمصطلحات، مما يساعدك في مجالك على المدى الطويل.

مراقبة الأداء

لإنشاء ذاكرة ترجمة عالية الجودة يجب الاعتماد على أدوات تحليل الأداء، لمعرفة كيف يستخدم المترجمين ذاكرة الترجمة، مع معرفة أوجه القصور للعمل على تحسينها.

وختامًا نكون تعرفنا على مفهوم ذاكرة الترجمة وأهميتها بالنسبة للمترجمين، فمن المتوقع أن تُلاقي ذاكرة الترجمة تطورات مستقبلية تفيد المترجمين بشكل أكبر، وتختصر كثير من الوقت والجهد والتكاليف. 

Top